فخر الدين الرازي
155
تفسير الرازي
كان الأمر كذلك لوجهين الأول : أن من سمح بترك حقه فهو محسن ، ومن كان محسناً فقد استحق الثواب ، ومن استحق الثواب نفى بذلك الثواب ما هو دونه من العقاب وأزاله والثاني : أن هذا الصنع يدعوه إلى ترك الظلم الذي هو التقوى في الحقيقة ، لأن من سمح بحقه وهو له معرض تقرباً إلى ربه كان أبعد من أن يظلم غيره يأخذ ما ليس له بحق ، ثم قال تعالى : * ( ولا تنسوا الفضل بينكم ) * وليس المراد منه النهى عن النسيان لأن ذلك ليس في الوسع بل المراد منه الترك ، فقال تعالى : ولا تتركوا الفضل والإفضال فيما بينكم ، وذلك لأن الرجل إذا تزوج بالمرأة فقد تعلق قلبها به ، فإذا طلقها قبل المسيس صار ذلك سبباً لتأذيها منه ، وأيضاً إذا كلف الرجل أن يبذل لها مهراً من غير أن انتفع بها البتة صار ذلك سبباً لتأذيه منها ، فندب تعالى كل واحد منهما إلى فعل يزيل ذلك التأذي عن قلب الآخر ، فندب الزوج إلى أن يطيب قلبها بأن يسلم المهر إليها بالكلية ، وندب المرأة إلى ترك المهر بالكلية ، ثم إنه تعالى ختم الآية بما يجرى مجرى التهديد على العادة المعلومة ، فقال : * ( إن الله بما تعملون بصير ) * . الحكم الرابع عشر حكم المحافظة على الصلوات والصلاة الوسطى قوله تعالى * ( حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَوةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ ) * . اعلم أنه سبحانه وتعالى لما بين للمكلفين ما بين من معالم دينه ، وأوضح لهم من شرائع شرعه أمرهم بعد ذلك بالمحافظة على الصلوات وذلك لوجوه أحدها : أن الصلاة لما فيها من القراءة والقيام والركوع والسجود والخضوع والخشوع تفيد انكسار القلب من هيبة الله تعالى ، وزوال التمرد عن الطبع ، وحصول الانقياد لأوامر الله تعالى والانتهاء عن مناهيه ، كما قال : * ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) * ( العنكبوت : 45 ) والثاني : أن الصلاة تذكر العبد جلالة الربوبية وذلة العبودية وأمر الثواب والعقاب فعند ذلك يسهل عليه الانقياد للطاعة ولذلك قال : * ( استعينوا بالصبر والصلاة ) * ( البقرة : 45 ) والثالث : أن كل ما تقدم من بيان النكاح والطلاق والعدة اشتغال بمصالح الدنيا ، فأتبع ذلك بذكر الصلاة التي هي مصالح الآخرة ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : أجمع المسلمون على أن الصلاة المفروضة خمسة ، وهذه الآية التي نحن في